الأحد، 19 أكتوبر، 2014

الرسالة الهزلية

إلى من كان لي بمثابة اليد وبمثابة العين، أقول:
الحمد لله على زوال الوحشة الأولى من القلب، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا.
يقول مصطفى محمود في مقالة له يرد فيها على مشكك برحمة الله، بالسؤال الذي ظاهره حق وباطنه باطل: ما ذنب من لم يصل إليه قرآن؟ فيقول:"ما من أحد يرهف قلبه وسمعه إلا ويتلقى من الله فضلاً".
أرهف سمعك وقلبك، كرر النظر، قلّب بصرك في كل اتجاه، سيصلك شيء، مهما تباعدت السماء، ومهما سدت الأبواب، ستتلقى الفضل والرحمة، سيصلك شيء.
هذا أيضًا سيمر، سنراه ونجتازه سويًا كما رأينا واجتزنا الذي قبله، سنبني في النهاية أعشاشًا للعصافير، سندعو من أجل المطر كلما وقعنا في خيبة الأمل، وسندعو من أجل أن نوهب الرحمة كلما نسينا وضللنا الطريق.
يا بهجة الروح، ويا فرحة الخاطر، ويا طرفة العين التي أوشك أن أتّكل إليها، ويا ظلمي الذي أكاد أركن إليه، امشِ إليّ خطوة لأمشي إليك خطوات، لا يغرب وجهك عني فأضيع في التّيه، لا يسكت صوتك عني فأضرب في الأرض، لا يتوقف نبضك عن إرهاف السمع فنفقد الرحمة ونفوّت الفضل.
من يهد الله فلا مضل له، ومن يُضلِل فلا هادي له.
علمت أن المسير إلى الله سهل ويسير، ذلك أننا ندعوه في كل صلاة "اهدنا الصراط المستقيم" والاستقامة سهلة، ولا طاقة لنا بالطرق الصعبة الملتوية يا الله.
ولا شيء يسهل علينا الطريق مثل المحبة.
جاء في صحيح مسلم: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".
وفي الأغنية الصينية: "إن لم يلتقِ الناس فلن ينبت الحب بينهم، إن لم يتعارفوا فليس أمامهم إلا الشقاء".
اعرفني أكثر، تقرّب إليّ، سلّم عليّ متى ما مررتَ بي، لا تتجاهلني، من تعرفه تسلّم عليه ومن لا تعرفه تتجاهله، لم يدعُنا الإسلام لهذا، ولم تدعُنا ضمائرنا لهذا، بل كانت الدعوة لنفشي السلام، لننشره في كل اتجاه، لنتقرب ولنتعارف، لئلا ندع اختلافاتنا تميز بيننا، لئلا نفاضل بين بعضنا البعض بغير التقوى ما استطعنا، الميزة في اختلافنا لا في تشابهنا، لماذا ترغب في ألاّ تعرف إلا من هم نسخة عنك ومنك؟ إلا من هم يشبهونك في كل شيء، ويقولون لك ما تريد أن تسمعه، ويسمعون منك ما يريدونك أن تقوله، ما الجديد؟ ما الإضافة لعمرك في هذا؟

أما بعد،
فيا قرة عيني، ويا مهجة فؤادي، ويا أمل قلبي الذي لا ينقطع، أعلمُ أننا متباعدَين بعد مشارق الأرض عن مغاربها، وأعلم أن هناك أمٌ تدعو من قلب العالم ونحن في أطرافه، وأعلم أن البهجة في تبديل الأماكن قد تخفف عنا وطأة الحنين، وقسوة الاشتياق التي لا نملك من أجلها إلا الدعاء، وأعلم أننا قد لا نرى ما يرضينا كسابق أيامنا، ولكني أصدّق بأن القلوب عند بعضها، وأن في الابتعاد خير وإن لم ندركه ونفهمه، وأن تعارف قلوبنا أوجد ألفةً لن يمحوها وقت ولا مكان، فكن مبسمًا لأفراحي وبلسمًا لأتراحي، وأعنّي على هوى نفسي الأمّارة بالسوء والعودة لأوطان الرفاه، وعسى الله أن يجمعنا على خير.

والسلام.


الأحد، 5 أكتوبر، 2014

الرسالة الجدية

أكتب إليكم رسالتي الأولى وقد اختبرتُ الحياة مرة والموت مرات، أفصل فيها في الأشياء التي تعني الحياة، والأشياء التي لا تعنيها، والأشياء التي كُنّاها قبل الحياة، بعضهم قال غبار، وأنا أفضل رأي الذين قالوا  أن كل شيء كان غزل البنات من قبل.
أكتب إليكم عن تلك الحياة التي أخرجتموني من معاناتها ظانين أنكم تفعلون الصواب، ومتوهمين أنكم تحمونني، ناسين أن الألم بإبعادي عن الشعور بآلامكم ألم أكبر، ألم يشبه الإقصاء ويشبه التغريب، نفيتموني من مواطن آلامكم فترعرع فيّ ألمٌ لا يُقاس ولا يوزن.
أتعرفون ما تعني الحياة؟ وما يعنيه ما قبل الحياة؟ يعني أننا التقينا مرارًا وتكرارًا قبل الآن، يعني أن الروح التي عرفتكم سابقًا وعاشت معكم البداية وما عرفت غيركم ما عادت تدري إلى أين تذهب، لأن معنى الحياة اختفى عندها، لأن معاني ما قبل الحياة توقفت ثم تلاشت.
أتعرفون ما لا يعني الحياة؟ لا يعنيها أننا تكلمنا كثيرًا ونشبت بيننا مواقف مختلفة، لا يعنيها أننا أطلنا الانتظار حتى ساعات متأخرة من الليل، لا يعنيها أننا نبعد الستائر كل صباح لنرى الشمس والنور، لا يعنيها أننا نفرح وأننا نحتضن أحباءنا، وأننا نسمع الشعر، ونقوله، وأننا نكتب، وأننا نعد قهوة لشخصين في المساء، لا يعنيها أننا التقينا، وأننا ابتعدنا، وأننا غبنا، وأننا نسينا، ما دام لا ينتابنا الخوف من بعد هذا فإن الحياة لا يعنيها شيء منه.

أما بعد،،
فإن الموت هو الحقيقة، وإن الحياة هي الوهم، وإننا والله نركض خلف الوهم، وإننا نترك الحقيقة ونتجاهلها كل مرة، وإن ما يعنيه الموت أكبر وأعظم مما تعنيه الحياة، ولكني لا أعرف كيف أقوله لكم ولا كيف أفصل القول فيه، ولا كيف أكتب ذلك وأترجمه إلى شعوري وشعوركم.

في داخلي عتب، وفي عيني عيون من البكاء، وفي حياتي أحياء وميتون، وحلمي لا يحمل إلا الأحياء، أما الأموات فلا حاجة لي بهم ولا حاجة لهم بي، لأن التراب كفيل بزرعهم من جديد.
هل كان علينا أن نحلم أكثر؟ هل كان علينا أن نبقي الحياة قدر ما استطعنا في سباتنا الطويل وفي أحلامنا العميقة؟ هل كان علينا أن نفلت العمر الجميل والصبر الجميل والهجر الجميل؟ لأن أولئك الذين لا يكلفوننا حيواتنا لا يلزموننا بشيء، لأن أجمل العمر وأجمل الصبر وأجمل الهجر ما ثمنه الحياة.

لم يعد يحزنني الرحيل، ليس لأنني صرت أقوى بل لأنني أيقنت أن الراحلين يموتون عندما ينساهم الباقون، فحفظت أحبائي عن ظهر قلب، وأبقيتهم في كلامي وفي أحلامي وفي شعوري وفي لا شعوري، وفي عمري الحالي، وفي عمري القادم، كل راحليَّ لا يزالون أحياء، عرفت هذا ولم أعد أخشى ولم أستمرِرْ في الحزن، لأنهم صُنعوا على عيني وقلبي.

هذا والسلام.