السبت، 20 سبتمبر، 2014

فصلٌ في مسألة الاشتهار والانحدار

يبحث الناس عن الشهرة أكثر من بحثهم عن المال، يطلبونها أكثر من طلبهم النفوذ والثروة، يكفيهم رضًا عن أنفسهم أن يكونوا مشتهرين ومعروفين.
جاء في لسان العرب: الشُّهْرَة: ظهور الشيء في شُنْعَة، حتى يشهره الناس.
كم يرغب الإنسان في أن يشتهر؟ ربما إلى الحد الذي لا ينساه معه الناس، ربما إلى الحد الذي لا يدع النسيان يأخذه بعيدًا عمن يحبونه، فلا شيء أكثر فزعًا من فكرة أن تكون منسيًا بعد شهر أو شهرين من الآن، بعد شهور ستفقد شُهرتك ولن يذكرك أحد، على الأقل  سترجو أن تبقى في ذاكرة أحدهم أطول مدة ممكنة، ولو استطعت أن تصل  إلى ذاكرة القلب، فتحفظ إلى الأبد، سيكون ذلك أفضل الاحتمالات.

رغبتُ يومًا في ألا تنساني، حلمت بأن أبقى بك محفوظة، توقعت أن أبقى في قلبك إلى الأبد، ولم يحصل، نسيتني كما يمكن لك أن تنسى أي عابر، كسرتَ الأبد وأفلتني منه، أفلتّني من ذاكرة قلبك كما يحلو لك أن تفعل.
أنا كلما انجررتُ إلى هذه الفكرة تكبلتُ في قيودي أكثر، القيد الذي وثقت نفسي به طوال تلك السنين، سقطت فيه وماعرفت كيف أنجو، القيد الذي سرتُ على حوافه عمري كله، ظننته الطريق الآمِن، وطوق النجاة: أن أبقى دومًا في الحفظ والصون في قلبٍ ما، وفي مكانٍ ما، وفي زمنٍ ما.
كان ذلك غلط.
الآخرون الذين حجزت نفسي فيهم ظلوا أحرارًا على الدوام، البيت الذي سكنته إلى الأبد ظل في رحلته الأزلية يحط ويرحل، الوقت الذي تشبثت في عقاربه ظل يدور وينتهي ويتبدل به غيره.
وأنا مازلت أخسر شهرتي.

دعونا نفلت من قيودنا قبل أن تجرنا إليها أكثر، قبل أن نسقط فيها إلى الأبد، لأن تلك الخطى التي خلفناها وراءنا لن تكون بالضرورة آثارًا جيدة للاقتفاء، ولنضِع قليلاً، ولنتأخر، ولنسِر يومًا في طريق لا نعرفه، علّنا نجد ما نحب ونجد أنفسنا هناك، فيه.
ولنشقى، ولنتعب، ولنتخذ سبيلاً قصيرًا للضياع، نعثر فيه على ما لم نهتد إليه من قبل، في طرقنا اليسيرة السالفة، لأن السير في المألوف ليس آمنًا تمامًا، لأنك ستخشى المشاهد التي تدعوك باستمرار للجري خلفها، ستخشى أنك حين توغل فيها لن تعرف أن تعود.
بعدها، سنظل مفتونين بالفكرة، سنحتاج فقط للغتنا الخاصة لنفهم: أنه كلما أضعنا بوصلتنا كلما كنا أقرب للخروج، كلما كنا أدنى من المكان المطلوب، كلما تدانى صوت الساحل من موج القلب، كلما اقتربت رائحة الصدف والطين وكلما كنا آمنين.


السبت، 13 سبتمبر، 2014

بابٌ في فضل الأم على سائر النساء

نستعين على الفراق بكتابة الرسائل، قد نعلم أنها لن تصل ونرغب في أن نطلقها من قلوبنا إلى صدرٍ بلا قيد.
أريد أن أكتب لأمي وأخبرها كم هو البعد موجع، أريد أن أخبرها عما أشعر به حقًا وما خبأتُه قبيل وداعها على سبيل القوة.
أفيق من نومي لأهرع للكتابة، أكتب ولا أنجح، أنام فأرى أحلامًا تعبّر عن كلمات، أعود لأرتب شيئًا يُقال، ولا شيء يقال في الحقيقة، كل الكلام غير مقبول، الصدق فيه قليل، أغلبه غير متاح ولا يصلح للإرسال.
كان على القلب أن يعرف أن الأمر لن يكون سهلاً ليدق عدد نبضاته المعتادة، وكان على العين أن تخبئ دمعًا كثيرًا عسير الهطول.
حين نبتعد عن أمهاتنا تبتعد كل هذه الدنيا عنا، حين نغيب ويغبن عنا تغيب عنا الحياة، تذهب الروح إلى غير مكان بحثًا عن مواطن الأمهات، مواطنهن الأصلية الكامنة في عمق الروح والألباب.
حين أمرض وحين أتعب وحين أحزن وحين لا أعرف للنوم طعمًا ولا أجدك بقربي يزيد همي همًا، يتأخر الطب ويتدانى السهر ويتلكأ شفاء هذا الوجع.
عما قريب سأنسى كل شيء، من حولي صرت أبحث عن مسافة أمان في وجوه البشر، الأمان الذي قطعته بكل تلك المسافات الفاصلة بيني وبينكِ، أبحث فلا أجد أمانًا، لا أجد إلا التنكر والإقصاء، وتتسع المسافات بيني وبين كل الأشياء.
أعاني الإقصاء بإلقائي بعيدًا عن منابع الحنان، أقاسي البعد ولا أعرف سبيلاً لشيء يشبه أمي في هذا المكان.
في محادثاتنا .. الطويلة والقصيرة .. في صوتك تحديدًا أعرف كل المعاني المخبأة، وفي كلماتك الآتية من بعيد أرى الصور المرسومة في ذاكرتينا ولا مكان يتسع لعرضها، وفي تطميناتنا الكثيرة أرى هوة بلا نهاية: "نحن بخير تمامًا"، ولا يعرف أيّنا صدق الآخر، كما أن في أسئلتك معانٍ لأجوبة محضّرة، أخاف معك فيها وأضع لكثرتها الأعذار، ما من سؤال لا يجاب عليه، ما من سؤال إلا ويعرف طريقه إلى القلب والعين.
أعرف أنك تخلقين قصصك الخاصة لتحمين قلبك، وأعرف أنك تقولين كلامًا لا تنفذينه، وأشعر بوطأة جراحك ولا أداريها فاغفري لي.
سلامٌ على الأمهات، على كل مبدأ لهن وكل مُنتهى، سلامٌ على قلوبهن، سلامٌ على الأفئدة، سلامٌ على الجراح، على الكفاح، على النسي المنسي الذي كُنّاه لولاهنّ.

"كل هالدنيا غياب.. وحدها الجنة لقى".