الأحد، 13 ديسمبر، 2015

عندما قررتُ السقوط

عِشتُ لفترة ملاصقة لأشجار كثيفة متشابكة، لا شيء مهم بمنظرها الذي يحجب عني رؤية المارّة والطريق، ولا شيء مهم فيها بصفتها أشجار متشابهة كبيرة، ولكن اللحظة التي تنهار فيها ورقة لا يمكنك إهمالها، سترى كيف تهوي أمامك بسرعة وثقل إلى الأرض، وكأنها أثقل من ورقة، وفي أحيان تسقط دفعات، وفي أحيان أخر تسقط منفردة، لن تعرف -أنت- أبدًا كيف تقرر هي السقوط ومتى، ولماذا اختارت هذا الوقت أو ذاك، ولمَ سقطت خضراء أو صفراء، ولمَ سقطت كاملة مرة ومتفتتة مرة أخرى، وكيف تعرف متى ينفد صبرها حتى تسقط، هل عرفت أنت مرة من أين ينتهي صبرك؟ كيف ستعرف آخر الصبر؟ كيف لك أن تقرر أن هذا هو حدّه لتفلته وتقرر السقوط؟!
ذات صباح صحوت على ضجة في الخارج، كان مجموعة من العمال يقطعون الأشجار الملاصقة لنوافذنا، لا أدري أحزنت لقطعها أم فرحت لتسني دخول مساحة أكبر من الشمس عبر نافذتي، ما آلمني هو صوت ضحكاتهم حين هوت الشجرة وهم يركضون فزعين من سقوطها بالكامل.

جومباك
13/12/2015

الأحد، 8 فبراير، 2015

كلمة

حين تحسب خيبات عمرك اطرح منها ما كسبه قلبك من شعور، ما جعلتك تحس به هذه الخيبات، ما جعل منك إنسانًا آخر في كل يوم .. ما جعلك تتبرأ من نفسك في كل ليلة، يعني باختصار اطرح عمرًا بأكمله!
لا خيبة في الحقيقة، كل ألم يخلّف ظهرًا صلبًا وراءه ليس بشيء سيّء، كل جرح يترك ندبة لا يجدر بنا معاتبته، هو يستحق التمجيد!
الله لا يؤاخذنا إلا بما كسبت قلوبنا، قلوبنا التي تكتسب صبغة جديدة مع كل نية، مع كل شعور نحمله تجاه الآخر، مشاعر إنكار أو مشاعر إقصاء أو حتى نفي وتغريب!
كيف مر بنا العمر إلى هنا ولم نشعر، أين كنت؟ أين كنا؟ لم أجدك في الجوار في أغلب أيامي، مضت سني عمري وأنا أشاهدك من وراء جدار، أو من نافذة قطار، تمر صورتك سريعًا ثم تبتعد وتتلاشى، هل كنت وهمًا؟
تقرأ لي صديقتي أشعارًا بالأوردو، أحسبها جميلة حتى قبل أن تترجمها لي، وحين تبدأ بالترجمة تذرف عيناي!
اليوربا أيضًا أشعارها خلابة، أقرأها وأنظر لترجمتها وأتعجب، أسقط في لمح البصر ويهوي قلبي إليها، هل تملك هذه الشعوب كل هذه المشاعر ونحن لا نعلم!
وحين أنظر للشعر الملايوي أصاب بالدوار، أقع في حب الكلمات من أول سطر، أستمر بفعل ذلك ساعات وساعات، ولا أعرف سبيلاً للخلاص ..
الجمال الكامن في الفن أيًا كان، ومن أين كان، لا يقدر بثمن، ولا يختزل بكلمات، ذلك الجمال الذي يسافر بنا بعيدًا، ويحط وقد اختلف شيء فينا، امتزجت أشياء من تراب آخر غير ترابنا فاختلطت بنا لتجعل منا شيئًا آخر، شيء لا يشبه الوجه الذي عرفناه بالأمس، ولا القلب الذي سنراه غدًا، لا شيء يعبر عن الكلمة حين نقع في حبها، ولا رغبة لي في أن أبخسها حقها في محاولة يائسة للحديث ووصفها.
"إن مع العسر يُسرًا" أرددها مع كل خيبة تكسوني في المساء، فلا أصبح إلا وقد وجدت اليسر ماثلاً بين عينيّ وفي قلبي، لا أصبح إلا وقد انجلى همي وانشرح صدري، إن لم يأت الحل بعد، تزول النكبة من تلقاء نفسها وتمضي .. وأمضي..
في هذا أيضًا فن وجمال، كيف لكلمات بعينها أن تزيل ما كسبه قلبك في يوم وليلة، كيف لخاطر أن يزول ويحل محله خاطر آخر بسبب دعاء ورجاء، كيف لزفرة أطلقتها وأنت تحدق في السماء أن تمحو كل ألم أصاب قلبك فيما مضى، وأن تمسح كل عبرة اختنقت بها في ليالٍ عدة لا تقدر أن تحصيها.
إنها عين الكلمة، التي تبصر ما يعجز قلبك عن إبصاره، فتفصح عن السحر الذي يبدأ بالدوران حولك وإحاطتك وكأنه يحميك، من شر الخيبات وقهرها.
لعله خير، أقول وأعني ما أقول مع كل منظر لا يسرني، مع كل خبر يسوؤني، مع كل نكسة أردد لعله خير، إن لم يتبين لي الخير ولم أره بعينيّ أعلم أن الكلمات تدرك ذلك، أرددها وأنتظر مفعول السحر ليبدأ ويغني .. وأغني :)


الله عوّدك الجميل فقِس على ما مضى. *