السبت، 13 سبتمبر، 2014

بابٌ في فضل الأم على سائر النساء

نستعين على الفراق بكتابة الرسائل، قد نعلم أنها لن تصل ونرغب في أن نطلقها من قلوبنا إلى صدرٍ بلا قيد.
أريد أن أكتب لأمي وأخبرها كم هو البعد موجع، أريد أن أخبرها عما أشعر به حقًا وما خبأتُه قبيل وداعها على سبيل القوة.
أفيق من نومي لأهرع للكتابة، أكتب ولا أنجح، أنام فأرى أحلامًا تعبّر عن كلمات، أعود لأرتب شيئًا يُقال، ولا شيء يقال في الحقيقة، كل الكلام غير مقبول، الصدق فيه قليل، أغلبه غير متاح ولا يصلح للإرسال.
كان على القلب أن يعرف أن الأمر لن يكون سهلاً ليدق عدد نبضاته المعتادة، وكان على العين أن تخبئ دمعًا كثيرًا عسير الهطول.
حين نبتعد عن أمهاتنا تبتعد كل هذه الدنيا عنا، حين نغيب ويغبن عنا تغيب عنا الحياة، تذهب الروح إلى غير مكان بحثًا عن مواطن الأمهات، مواطنهن الأصلية الكامنة في عمق الروح والألباب.
حين أمرض وحين أتعب وحين أحزن وحين لا أعرف للنوم طعمًا ولا أجدك بقربي يزيد همي همًا، يتأخر الطب ويتدانى السهر ويتلكأ شفاء هذا الوجع.
عما قريب سأنسى كل شيء، من حولي صرت أبحث عن مسافة أمان في وجوه البشر، الأمان الذي قطعته بكل تلك المسافات الفاصلة بيني وبينكِ، أبحث فلا أجد أمانًا، لا أجد إلا التنكر والإقصاء، وتتسع المسافات بيني وبين كل الأشياء.
أعاني الإقصاء بإلقائي بعيدًا عن منابع الحنان، أقاسي البعد ولا أعرف سبيلاً لشيء يشبه أمي في هذا المكان.
في محادثاتنا .. الطويلة والقصيرة .. في صوتك تحديدًا أعرف كل المعاني المخبأة، وفي كلماتك الآتية من بعيد أرى الصور المرسومة في ذاكرتينا ولا مكان يتسع لعرضها، وفي تطميناتنا الكثيرة أرى هوة بلا نهاية: "نحن بخير تمامًا"، ولا يعرف أيّنا صدق الآخر، كما أن في أسئلتك معانٍ لأجوبة محضّرة، أخاف معك فيها وأضع لكثرتها الأعذار، ما من سؤال لا يجاب عليه، ما من سؤال إلا ويعرف طريقه إلى القلب والعين.
أعرف أنك تخلقين قصصك الخاصة لتحمين قلبك، وأعرف أنك تقولين كلامًا لا تنفذينه، وأشعر بوطأة جراحك ولا أداريها فاغفري لي.
سلامٌ على الأمهات، على كل مبدأ لهن وكل مُنتهى، سلامٌ على قلوبهن، سلامٌ على الأفئدة، سلامٌ على الجراح، على الكفاح، على النسي المنسي الذي كُنّاه لولاهنّ.

"كل هالدنيا غياب.. وحدها الجنة لقى".