الأحد، 12 مايو 2019

استواء

تستوي حياتك عند خط الاستواء. ليلك ونهارك مستويان. ساعات صومك نفسها كل عام. وهي منتصفة اليوم ومنصفة. مواقيت صلاتك نفسها لا تتغير إلا شيئًا يسيرًا. الطقس معتدل غير أنك اعتدت تكييف الهواء، لا هو بالحمى ولا هو بالبرد، عدا أن الرطوبة عالية، وإن تلكّأ المطر تأججت الشمس. لا فصول تتبدل ولا مواسم على مدار العام. أمزجة الناس معتدلة تشابه جوّها في ذلك، فلا ترى حدةً ولا عصبية، ولا صوت عال يفسد قضايا الود. أبواق السيارات فقدت استعمالها. حركة الناس بطيئة وكأن لا هموم لهم ولا شؤون، ولا أموال يقترفونها ولا تجارة يخشون كسادها. قد تمَيّزُ من الغيظ وأنت تجادلهم في همومك وهم لا يبالون، يردون عليك بالنبرة المستوية نفسها، ويكررون الكلام نفسه في الرفض مثلاً وأنهم لا يخرقون القانون. أحيانًا ستموت من فرط الاهتمام، وسيقتلك برد أعصابهم، ستقول إنهم بلا مشاعر، فلا انفعالات يبدونها إلا ما ندر. حتى في الفرح يفرحون بِيُسر. يمكن القول إنها حياة رتيبة، وأحيانًا مملّة، ولكنك في النهاية ستعتادها. ستصير إلى ما صاروا إليه. ستستوي وتعتدل. ستترك انفعالاتك جانبًا. ستسمح أكثر مما تمنع. ستنسى استخدام مزمّر السيارة. ستتخفف من غضبك، ولا أدري إن كانت فرحتك ستتغير. ستعرف أن ليست كل الأشياء تهم، ولا كل الأشياء تسوى، ولا تؤخذ الدنيا غلابًا.

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

أبواب

لم يعد باب الغرفة المجاورة الوحيد الذي يُفتح ويُغلق، بعد أن عادت الفتيات من الإجازة الصيفية وامتلأ المبنى عن آخره. كنت أميّز باب رفيقتي حين تأتي وحين تذهب، فأعمل صورة في ذهني لجدولها اليومي، وعليه أرسم جدولي من مرافقتها أو البقاء بمفردي، أما الآن فلا. أبواب كثيرة دخلت بيننا مما صعّب عليّ المهمة. أبواب تفتح وأبواب تغلق، بعضها يُترك دون إقفال، وبعضها يقفل مرة أو مرتين. في الصباح يبدأ اليوم مع شروع الأبواب بالعمل، فتحٌ وإغلاق، حركة دؤوبة مستمرة، تبدأ منذ السادسة ولا تهدأ إلا بعد منتصف الليل وأكثر.
في السادسة وما قبلها تُفتح الأبواب الهادئة، لصاحباتها اللاتي يعين معاني الفجر والصلاة والتأمل والرياضة، تليها أبواب الثامنة لفتيات المحاضرات المبكرة، واللاتي يهممن باللّحاق بالباص ولا يفوّتن الإفطار. أبواب التاسعة والعاشرة أبواب مزعجة متتالية يصفق بعضها بعضًا، تصاحبها أصوات صاخبة ونداءات متكررة لأسماء مصغّرة، يستحثن بعضهن للنزول وإلا تأخرن وفوّتن الباص. في فترة الظهيرة يهدأ المكان، وتعود الطيور تغرّد وتصفر وتملأ المكان بحياتها، بعد أن عمّ الهدوء وعاد الأمان من جديد، تستطيع حينها أن تنزوي هادئًا في غرفتك تقرأ وتكتب، وتعد كوبًا من القهوة، أو تنزل لتغسل ملابسك. في المساء؛ تبدأ الأبواب بالعمل مرة أخرى، وتتناوب فتحًا وإغلاقًا، في منافسة محمومة أيها أعلى صوتًا، باب يضيق بهمّ صاحبته، وباب لا تسعه فرحة. باب يُفتح لاستقبال عزيز، وباب يوصد في وجه متطفل. باب يؤوي إليه من يشاء، ويُرجي من يشاء.

الثلاثاء، 3 يوليو 2018

اِلتقاء

أنت تخرج للجري مع شريكك في السكن الذي عرفته حديثًا ولا أشياء كثيرة مشتركة بينكما، أو توجد أشياء مشتركة لم تتشاركاها بعد، تبدآن بالمشي وأحاديث عادية تدور بينكما قد تضحكان منها وقد لا تضحكان، حواركما لا يشمل أي حديث عن فلان وفلان، هناك أمور العمل، وأمور الدراسة، وأمور الحياة اليومية: تعليق لأستاذك في الفصل، إجراء روتيني نسيته، أحداث عادية جرت لأسرة أحدكما هذا المساء، مشهد من مسلسل، وأحاديث شتى متفرقة لا تعنى بأحد، ولا تؤذي أحدًا.
تبدآن بالركض فيسود الصمت ويكثر الهواء الذي تدفعانه من صدوركما إلى خارجها، لا تشعران بالضيق إزاء صوت التنفس السريع هذا، تستمران بالركض وتتوقفان معًا للراحة والمشي، بعد أن حفظتما أماكن التوقف ونقاط البدء، لقد فهمتما كيف تجري الأمور، ليست هناك دواعٍ للنقاش أو الجدال، تتفقان من نظرة ومن حركة، لا شيء يعكر صفو يومكما الهادئ، ولا صور درامية يمكن أن يحدثها أيٌّ منكما، إن أردتما خرجتما للغداء سويًا، أو بقي كلٌ في غرفته، لا خلاف على أي شيء، لا حاجة لإبراز النفس وتبريرها للآخر، لا حاجة لسرد قصة حياتكما منذ البداية، كلاكما لا يبالي، تؤمنان بأن الحياة أجمل حين تتشاركان اللحظات الصافية المنشرحة، كأن تلحظا منظر الغروب من الشرفة، أو تُبديا تعليقًا على غزارة المطر، أو تستمعا إلى أغنية تعجبكما سويًا، فتفهمان أن روحيكما هناك معًا، كانت من قبل، وستبقى من بعد.


إلى سناء ... الصديقة السهلة

الأربعاء، 2 مايو 2018

دوائر

أفكر دائمًا بالصديقات، الصديقات اللاتي جمعتني بهن ظروف معينة ولن تتهيأ مرة أخرى، صديقات البلاد البعيدة، اللاتي جئن من مشرق أرض ومغرب، محمّلات بأحلام وآمال وجنون كثير، فبعثن فيني حلمًا أو أملاً أو جنونًا مخبوءًا، صغيرات وكبيرات، بسيطات ومعقّدات، مسالمات ومحارِبات، ودّعتُ بعضهن وسأودّع بعضًا، وسيودعنني يومًا. ترهقني الفكرة كثيرًا، أن تصير كل منا في بلاد، قد يبعثن لي صور مدُنِهنّ، قد نتواصل لزمن، سنبقى نعد بعضنا بالوصل طالما مددتنا الحياة بطرق الوصل، وكم أخاف أن تتغيّر الأحلام وتبهت الذكريات؛ فتتقطّع الحبال، وتغيب الملامح إلى الأبد. فكرة أنك لن تلتقي صديقًا بعد الآن وأنت متيقن من ذلك مخيفة إلى حد لا يُشرح، قد ألتقي ببعضهن، بصدفة أو ميعاد، ولكن أن نكون كلنا سويًا؛ في مكان واحد؛ نجتمع ونتفرّق، نتعارك ونتصالح، ونضحك ونبكي، ونفترش الأرض ونأكل، ونحْضر فيلمًا أو عرضًا، أو أغنية، ونتحدث لساعات، ونصمت لساعات، ونفهم ولا نفهم، ونغضب ونمقت، ونعود نحب، ونرمي الهموم، ونحمل الهموم، لن يتكرر ذلك ثانية، لن تعود لنا أرض واحدة مشتركة، ستحاصرنا الحدود والفيزا وجوازات السفر، وذلّ العباد، وقهر البلاد، وترتمي كلٌ في طريقها، بالنهاية سينشغلن، وسيلُذْن إلى بيوتهن وحيواتهنّ، وسينسينَني، أو يذكرنني بطرف حديث، أو يمررن على اسمي والسلام.
وَعدتُ وأعطينني وعودًا، سأزورك، حتمًا، في بنزرت، في لاهور، في الحديدة، في صنعاء، في بغداد، في كشمير، في بنين، في وفي وفي ... ولا أدري أي وعد سيصدق، وأي وعد ستأخذنا الأيام عنه، فلا نعود نبالي، وتذبل كل تلك المشاعر، وتأتينا مشاعر جديدة، نعود نعيشها في دائرة أخرى.




"يا أحلى أيام العمر ... شوفة عيونك مُنيتي لكنه مو بيدي"

الكويت   1 مايو 2018



* أسمع أغنية من كل بلد فلا تعود ذكراكنّ مصيبة

الأربعاء، 20 سبتمبر 2017

الملهاة



لعل الله يعفو عن قلبك حين أخفق فيما مضى، لعله يغفر تقصيره ونسيانه، لعله يتجاوز عن أخطائه اللا محدودة، قلبك الضعيف الواهن، العاجز عن الوصول، الراغب في المستحيل، الغارق في الأمل...
الطرقات التي بكيتَ فيها كثيرًا لم تعد تتسع لدمعة، الوحدة التي سكنتك لم تدع المجال لبيوت ولا غرف، أصدقاؤك القدامى صمّوا آذانهم لئلا تصرخ فيها أكثر، أصدقاؤك الجدد توَلوا وأعينهم تفيض من الدمع لمّا عرفوا كربك.
قد نسيَك البحر الذي ضلّ فيه دعاؤك، ولم تنسَ أنت وظللت في رحلة بحثك، ما أمِنتَ العودة فيه تارة أخرى فغرقت.
يتساءل قلبك عن المركب إن بقي له أثر.. تظل أنت تتساءل عن كل ما فقدت وكل ما جرى إن كانت منه جدوى..
تنظر إلى حياتك التي مرّت من بين يديك، وتنظر إلى عمرك الذي ظلْتَ عليه عاكفًا،

 لقد ذقتَ ضِعف الحياة وضِعف الممات. 


الأحد، 14 مايو 2017

درس آخر

طبعي الصامت لم يكن وسيلة كافية لئلا أحاط بالثرثارين بين الحين والحين. شريكتي في السكن كانت تملك قدرة هائلة على الكلام. في الصباح الباكر حين تفتح عينيها كانت تفتح فمها مباشرة وتثرثر، وكأنها صاحية منذ أمد. كنت ألوذ بالصمت وأتركها تثرثر للا أحد. كيف لها أن تستعيد صوتها فور استيقاظها؟ لا أحد يملك صوته في الساعات الأولى من الصباح؛ في أول ساعة على الأقل.
أذكر أنه كان صباحًا من رمضان حين قررنا أن نخرج لنقضي مشاويرنا. خرجنا ولسوء حظنا لم نجد سيارة تقلنا فمشينا إلى نقطة الباص. كانت تثرثر على امتداد الطريق عن أشياء لم أفهمها. في القطار لم تسكت للحظة وظلت تتكلم عن كل شيء، وأنا صامتة أفكر في اللحظة التي سأصرخ فيها: كفى! ولكن لم أفعل. فكرت فيما لو أنها ما تزال صائمة. استمررتُ بالصمت وأغمضت عيني متخيلة أن المقعد يسحبني إلى الأسفل وأدور في دوامة بعيدة.
بعد مدة انفصلنا بحكم انتقالها لجامعة أخرى. جاءت لزيارتي في إحدى المرات ومعها زميل لها. فور التقائنا تركتني والزميل لتلقي التحية على بعض الأصحاب القدامى. فورًا قلت للرجل بأنني سأمضي لأنها ستتأخر ولابد في إلقائها التحايا. أجاب على الفور: "أكيد، فلانة تحجي هواي" وبدأ بالشكوى حول كيف أنها لم تصمت للحظة طول طريقهم إلى هنا!
ضحكت ومضيت، الآن بتُّ لا أنزعج من أحاديثها. حين تتصل أعلم أنني لن أغلق السماعة في أقل من ساعة، ولكني أجيب على أي حال. صرت أقول إنه درس في الصبر ولابد. درس في التحمل، درس في إعطاء الآخرين مساحتهم التي يحتاجون إليها.

السبت، 31 ديسمبر 2016

آخر السنة

أنا أذكر كيف تغيرت حياتي. ربما نسيت أنت وظننتني هكذا منذ البداية. ولكن أنا لا يمكن أن أنسى. لم يحدث ذلك بسهولة، ولم يحدث في يوم وليلة، ولا حتى سنة، لم تكن عندي سنة التغيير. ولكنني أذكر جيدًا المواقف والحوادث التي غيرتني. أذكرها لحظة بلحظة ولو يسعفني الوقت لجلست أتلوها عليك الواحدة تلو الأخرى. ولكنك في غنى عن ذلك. ذاكرتي حديدية في هذه على الرغم من أن عندي مشاكل حقيقية في الذاكرة. مشاكل أخجل من ذكرها وأفكر جديًا في التواصل مع طبيب حيالها. في تعلّم الباهاسا مثلاً أبدو أبطأ واحدة في الفصل. أذكر الكلمة وأنساها في الوقت نفسه. زملائي يسخرون من ذاكرة السمكة التي أملكها. وأنا أضحك ولكن تجتاحني الرغبة في البكاء. عزائي في السيد حفيظ الذي يصرّ على التواصل معي في الواتس اب وإعطائي دروسًا إضافية، حقًا أنا ممتنة له وحزينة من أجل زوجته التي طلّقته بعد خمس سنوات بسبب عدم إنجابه!
لو استمرت معي السنين لاستمررت بالتغيير، لا شيء يشدني لأجعل حياتي ثابتة، عدا ذلك فأنا أفضل اختيار قبرٍ أوصي أن يزرع بالورود.
لم يعد يعنيني رأي الآخرين بي. عادي أن أتوقف في منتصف الطريق لأعطي دروسًا في الأخلاق. لأنه طفح الكيل. وفي المقابل أرى ذلك خير من أسلوب الهمز واللمز على الفيسبوك. أولئك الاتي يكتبن منشورات في صديقاتهن وكأنهن يعنين شخصًا من كوكب آخر!
حتى المجانين يفهمون هذا.
ربما تذكرت الآن، وربما ما تزال ناسيًا؛ وهني وقلة حيلتي، ما زالتا فيّ، ولكني أخفيهما ما استطعت.
أتمنى لك عامًا سعيدًا أينما كنت. بعيدًا وناسيًا ودالاً طريقك.



فلتذهب الذاكرة المحزونة إلى السموات ولتصِر مطرًا أو أي شيء جديد.

الأحد، 13 ديسمبر 2015

عندما قررتُ السقوط

عِشتُ لفترة ملاصقة لأشجار كثيفة متشابكة، لا شيء مهم بمنظرها الذي يحجب عني رؤية المارّة والطريق، ولا شيء مهم فيها بصفتها أشجار متشابهة كبيرة، ولكن اللحظة التي تنهار فيها ورقة لا يمكنك إهمالها، سترى كيف تهوي أمامك بسرعة وثقل إلى الأرض، وكأنها أثقل من ورقة، وفي أحيان تسقط دفعات، وفي أحيان أخر تسقط منفردة، لن تعرف -أنت- أبدًا كيف تقرر هي السقوط ومتى، ولماذا اختارت هذا الوقت أو ذاك، ولمَ سقطت خضراء أو صفراء، ولمَ سقطت كاملة مرة ومتفتتة مرة أخرى، وكيف تعرف متى ينفد صبرها حتى تسقط، هل عرفت أنت مرة من أين ينتهي صبرك؟ كيف ستعرف آخر الصبر؟ كيف لك أن تقرر أن هذا هو حدّه لتفلته وتقرر السقوط؟!
ذات صباح صحوت على ضجة في الخارج، كان مجموعة من العمال يقطعون الأشجار الملاصقة لنوافذنا، لا أدري أحزنت لقطعها أم فرحت لتسني دخول مساحة أكبر من الشمس عبر نافذتي، ما آلمني هو صوت ضحكاتهم حين هوت الشجرة وهم يركضون فزعين من سقوطها بالكامل.

جومباك
13/12/2015

الأحد، 8 فبراير 2015

كلمة

حين تحسب خيبات عمرك اطرح منها ما كسبه قلبك من شعور، ما جعلتك تحس به هذه الخيبات، ما جعل منك إنسانًا آخر في كل يوم .. ما جعلك تتبرأ من نفسك في كل ليلة، يعني باختصار اطرح عمرًا بأكمله!
لا خيبة في الحقيقة، كل ألم يخلّف ظهرًا صلبًا وراءه ليس بشيء سيّء، كل جرح يترك ندبة لا يجدر بنا معاتبته، هو يستحق التمجيد!
الله لا يؤاخذنا إلا بما كسبت قلوبنا، قلوبنا التي تكتسب صبغة جديدة مع كل نية، مع كل شعور نحمله تجاه الآخر، مشاعر إنكار أو مشاعر إقصاء أو حتى نفي وتغريب!
كيف مر بنا العمر إلى هنا ولم نشعر، أين كنت؟ أين كنا؟ لم أجدك في الجوار في أغلب أيامي، مضت سني عمري وأنا أشاهدك من وراء جدار، أو من نافذة قطار، تمر صورتك سريعًا ثم تبتعد وتتلاشى، هل كنت وهمًا؟
تقرأ لي صديقتي أشعارًا بالأوردو، أحسبها جميلة حتى قبل أن تترجمها لي، وحين تبدأ بالترجمة تذرف عيناي!
اليوربا أيضًا أشعارها خلابة، أقرأها وأنظر لترجمتها وأتعجب، أسقط في لمح البصر ويهوي قلبي إليها، هل تملك هذه الشعوب كل هذه المشاعر ونحن لا نعلم!
وحين أنظر للشعر الملايوي أصاب بالدوار، أقع في حب الكلمات من أول سطر، أستمر بفعل ذلك ساعات وساعات، ولا أعرف سبيلاً للخلاص ..
الجمال الكامن في الفن أيًا كان، ومن أين كان، لا يقدر بثمن، ولا يختزل بكلمات، ذلك الجمال الذي يسافر بنا بعيدًا، ويحط وقد اختلف شيء فينا، امتزجت أشياء من تراب آخر غير ترابنا فاختلطت بنا لتجعل منا شيئًا آخر، شيء لا يشبه الوجه الذي عرفناه بالأمس، ولا القلب الذي سنراه غدًا، لا شيء يعبر عن الكلمة حين نقع في حبها، ولا رغبة لي في أن أبخسها حقها في محاولة يائسة للحديث ووصفها.
"إن مع العسر يُسرًا" أرددها مع كل خيبة تكسوني في المساء، فلا أصبح إلا وقد وجدت اليسر ماثلاً بين عينيّ وفي قلبي، لا أصبح إلا وقد انجلى همي وانشرح صدري، إن لم يأت الحل بعد، تزول النكبة من تلقاء نفسها وتمضي .. وأمضي..
في هذا أيضًا فن وجمال، كيف لكلمات بعينها أن تزيل ما كسبه قلبك في يوم وليلة، كيف لخاطر أن يزول ويحل محله خاطر آخر بسبب دعاء ورجاء، كيف لزفرة أطلقتها وأنت تحدق في السماء أن تمحو كل ألم أصاب قلبك فيما مضى، وأن تمسح كل عبرة اختنقت بها في ليالٍ عدة لا تقدر أن تحصيها.
إنها عين الكلمة، التي تبصر ما يعجز قلبك عن إبصاره، فتفصح عن السحر الذي يبدأ بالدوران حولك وإحاطتك وكأنه يحميك، من شر الخيبات وقهرها.
لعله خير، أقول وأعني ما أقول مع كل منظر لا يسرني، مع كل خبر يسوؤني، مع كل نكسة أردد لعله خير، إن لم يتبين لي الخير ولم أره بعينيّ أعلم أن الكلمات تدرك ذلك، أرددها وأنتظر مفعول السحر ليبدأ ويغني .. وأغني :)


الله عوّدك الجميل فقِس على ما مضى. *



الأحد، 30 نوفمبر 2014

باب الحذف

الحذف في كثير من الأحيان أبلغ من الذكر، بمعنى لو أنك صَمتَّ عن ذكر شيء معين سيكون صمتك أبلغ، وأعمق في التعبير عنه، وأقرب لفهم السامع.
جاء في سورة القصص "ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان، قال ما خطبكما، قالتا لا نسقي حتى يُصدر الرعاء وأبونا شيخٌ كبير، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال ربَِ إني لما أنزلتَ إليّ من خيرٍ فقير" 
الأصل أن يقال: وجد أمة من الناس يسقون أغنامهم،و: وجد من دونهم امرأتين تذودان أغنامهما، و: قالتا لا نسقي أغنامنا، و: فسقى لهما غنمهما. ولكنه صمت عن ذكر الغنم فلم يشر إليها في أي موضع من المواضع الأربعة.
ولو تساءلنا عن ذلك فإن السبب هو لو أنه جاء بذكر الغنم سيتوهم السامع أن موسى عليه السلام لم يبادر إلى مساعدة الامرأتين إلا بسبب أغنامهما، وأن هذا العبء ثقيل عليهما من حيث أن رعاية الغنم صعبة، والذود عنها صعب، وسقيها الماء صعب، ذلك أن الغنم تنتشر وتتفرق في كل اتجاه، ليست كالبقر أو غيرها مما يرعاه الناس.
والحقيقة أن موسى عليه السلام ساعدهما لأجل المساعدة، ولمجرد عمل المرأة بدل الرجل، وليس بسبب صعوبة ذلك العمل.
فالحذف كان أبلغ لبيان كرمه عليه السلام، ومروءته، وشهامته.
وقس على ذلك أمثلة كثيرة مما جاء في القرآن وفي مجمل كلام العرب.

الأحد، 19 أكتوبر 2014

الرسالة الهزلية

إلى من كان لي بمثابة اليد وبمثابة العين، أقول:
الحمد لله على زوال الوحشة الأولى من القلب، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا.
يقول مصطفى محمود في مقالة له يرد فيها على مشكك برحمة الله، بالسؤال الذي ظاهره حق وباطنه باطل: ما ذنب من لم يصل إليه قرآن؟ فيقول:"ما من أحد يرهف قلبه وسمعه إلا ويتلقى من الله فضلاً".
أرهف سمعك وقلبك، كرر النظر، قلّب بصرك في كل اتجاه، سيصلك شيء، مهما تباعدت السماء، ومهما سدت الأبواب، ستتلقى الفضل والرحمة، سيصلك شيء.
هذا أيضًا سيمر، سنراه ونجتازه سويًا كما رأينا واجتزنا الذي قبله، سنبني في النهاية أعشاشًا للعصافير، سندعو من أجل المطر كلما وقعنا في خيبة الأمل، وسندعو من أجل أن نوهب الرحمة كلما نسينا وضللنا الطريق.
يا بهجة الروح، ويا فرحة الخاطر، ويا طرفة العين التي أوشك أن أتّكل إليها، ويا ظلمي الذي أكاد أركن إليه، امشِ إليّ خطوة لأمشي إليك خطوات، لا يغرب وجهك عني فأضيع في التّيه، لا يسكت صوتك عني فأضرب في الأرض، لا يتوقف نبضك عن إرهاف السمع فنفقد الرحمة ونفوّت الفضل.
من يهد الله فلا مضل له، ومن يُضلِل فلا هادي له.
علمت أن المسير إلى الله سهل ويسير، ذلك أننا ندعوه في كل صلاة "اهدنا الصراط المستقيم" والاستقامة سهلة، ولا طاقة لنا بالطرق الصعبة الملتوية يا الله.
ولا شيء يسهل علينا الطريق مثل المحبة.
جاء في صحيح مسلم: "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".
وفي الأغنية الصينية: "إن لم يلتقِ الناس فلن ينبت الحب بينهم، إن لم يتعارفوا فليس أمامهم إلا الشقاء".
اعرفني أكثر، تقرّب إليّ، سلّم عليّ متى ما مررتَ بي، لا تتجاهلني، من تعرفه تسلّم عليه ومن لا تعرفه تتجاهله، لم يدعُنا الإسلام لهذا، ولم تدعُنا ضمائرنا لهذا، بل كانت الدعوة لنفشي السلام، لننشره في كل اتجاه، لنتقرب ولنتعارف، لئلا ندع اختلافاتنا تميز بيننا، لئلا نفاضل بين بعضنا البعض بغير التقوى ما استطعنا، الميزة في اختلافنا لا في تشابهنا، لماذا ترغب في ألاّ تعرف إلا من هم نسخة عنك ومنك؟ إلا من هم يشبهونك في كل شيء، ويقولون لك ما تريد أن تسمعه، ويسمعون منك ما يريدونك أن تقوله، ما الجديد؟ ما الإضافة لعمرك في هذا؟

أما بعد،
فيا قرة عيني، ويا مهجة فؤادي، ويا أمل قلبي الذي لا ينقطع، أعلمُ أننا متباعدَين بعد مشارق الأرض عن مغاربها، وأعلم أن هناك أمٌ تدعو من قلب العالم ونحن في أطرافه، وأعلم أن البهجة في تبديل الأماكن قد تخفف عنا وطأة الحنين، وقسوة الاشتياق التي لا نملك من أجلها إلا الدعاء، وأعلم أننا قد لا نرى ما يرضينا كسابق أيامنا، ولكني أصدّق بأن القلوب عند بعضها، وأن في الابتعاد خير وإن لم ندركه ونفهمه، وأن تعارف قلوبنا أوجد ألفةً لن يمحوها وقت ولا مكان، فكن مبسمًا لأفراحي وبلسمًا لأتراحي، وأعنّي على هوى نفسي الأمّارة بالسوء والعودة لأوطان الرفاه، وعسى الله أن يجمعنا على خير.

والسلام.


الأحد، 5 أكتوبر 2014

الرسالة الجدية

أكتب إليكم رسالتي الأولى وقد اختبرتُ الحياة مرة والموت مرات، أفصل فيها في الأشياء التي تعني الحياة، والأشياء التي لا تعنيها، والأشياء التي كُنّاها قبل الحياة، بعضهم قال غبار، وأنا أفضل رأي الذين قالوا  أن كل شيء كان غزل البنات من قبل.
أكتب إليكم عن تلك الحياة التي أخرجتموني من معاناتها ظانين أنكم تفعلون الصواب، ومتوهمين أنكم تحمونني، ناسين أن الألم بإبعادي عن الشعور بآلامكم ألم أكبر، ألم يشبه الإقصاء ويشبه التغريب، نفيتموني من مواطن آلامكم فترعرع فيّ ألمٌ لا يُقاس ولا يوزن.
أتعرفون ما تعني الحياة؟ وما يعنيه ما قبل الحياة؟ يعني أننا التقينا مرارًا وتكرارًا قبل الآن، يعني أن الروح التي عرفتكم سابقًا وعاشت معكم البداية وما عرفت غيركم ما عادت تدري إلى أين تذهب، لأن معنى الحياة اختفى عندها، لأن معاني ما قبل الحياة توقفت ثم تلاشت.
أتعرفون ما لا يعني الحياة؟ لا يعنيها أننا تكلمنا كثيرًا ونشبت بيننا مواقف مختلفة، لا يعنيها أننا أطلنا الانتظار حتى ساعات متأخرة من الليل، لا يعنيها أننا نبعد الستائر كل صباح لنرى الشمس والنور، لا يعنيها أننا نفرح وأننا نحتضن أحباءنا، وأننا نسمع الشعر، ونقوله، وأننا نكتب، وأننا نعد قهوة لشخصين في المساء، لا يعنيها أننا التقينا، وأننا ابتعدنا، وأننا غبنا، وأننا نسينا، ما دام لا ينتابنا الخوف من بعد هذا فإن الحياة لا يعنيها شيء منه.

أما بعد،،
فإن الموت هو الحقيقة، وإن الحياة هي الوهم، وإننا والله نركض خلف الوهم، وإننا نترك الحقيقة ونتجاهلها كل مرة، وإن ما يعنيه الموت أكبر وأعظم مما تعنيه الحياة، ولكني لا أعرف كيف أقوله لكم ولا كيف أفصل القول فيه، ولا كيف أكتب ذلك وأترجمه إلى شعوري وشعوركم.

في داخلي عتب، وفي عيني عيون من البكاء، وفي حياتي أحياء وميتون، وحلمي لا يحمل إلا الأحياء، أما الأموات فلا حاجة لي بهم ولا حاجة لهم بي، لأن التراب كفيل بزرعهم من جديد.
هل كان علينا أن نحلم أكثر؟ هل كان علينا أن نبقي الحياة قدر ما استطعنا في سباتنا الطويل وفي أحلامنا العميقة؟ هل كان علينا أن نفلت العمر الجميل والصبر الجميل والهجر الجميل؟ لأن أولئك الذين لا يكلفوننا حيواتنا لا يلزموننا بشيء، لأن أجمل العمر وأجمل الصبر وأجمل الهجر ما ثمنه الحياة.

لم يعد يحزنني الرحيل، ليس لأنني صرت أقوى بل لأنني أيقنت أن الراحلين يموتون عندما ينساهم الباقون، فحفظت أحبائي عن ظهر قلب، وأبقيتهم في كلامي وفي أحلامي وفي شعوري وفي لا شعوري، وفي عمري الحالي، وفي عمري القادم، كل راحليَّ لا يزالون أحياء، عرفت هذا ولم أعد أخشى ولم أستمرِرْ في الحزن، لأنهم صُنعوا على عيني وقلبي.

هذا والسلام.


السبت، 20 سبتمبر 2014

فصلٌ في مسألة الاشتهار والانحدار

يبحث الناس عن الشهرة أكثر من بحثهم عن المال، يطلبونها أكثر من طلبهم النفوذ والثروة، يكفيهم رضًا عن أنفسهم أن يكونوا مشتهرين ومعروفين.
جاء في لسان العرب: الشُّهْرَة: ظهور الشيء في شُنْعَة، حتى يشهره الناس.
كم يرغب الإنسان في أن يشتهر؟ ربما إلى الحد الذي لا ينساه معه الناس، ربما إلى الحد الذي لا يدع النسيان يأخذه بعيدًا عمن يحبونه، فلا شيء أكثر فزعًا من فكرة أن تكون منسيًا بعد شهر أو شهرين من الآن، بعد شهور ستفقد شُهرتك ولن يذكرك أحد، على الأقل  سترجو أن تبقى في ذاكرة أحدهم أطول مدة ممكنة، ولو استطعت أن تصل  إلى ذاكرة القلب، فتحفظ إلى الأبد، سيكون ذلك أفضل الاحتمالات.

رغبتُ يومًا في ألا تنساني، حلمت بأن أبقى بك محفوظة، توقعت أن أبقى في قلبك إلى الأبد، ولم يحصل، نسيتني كما يمكن لك أن تنسى أي عابر، كسرتَ الأبد وأفلتني منه، أفلتّني من ذاكرة قلبك كما يحلو لك أن تفعل.
أنا كلما انجررتُ إلى هذه الفكرة تكبلتُ في قيودي أكثر، القيد الذي وثقت نفسي به طوال تلك السنين، سقطت فيه وماعرفت كيف أنجو، القيد الذي سرتُ على حوافه عمري كله، ظننته الطريق الآمِن، وطوق النجاة: أن أبقى دومًا في الحفظ والصون في قلبٍ ما، وفي مكانٍ ما، وفي زمنٍ ما.
كان ذلك غلط.
الآخرون الذين حجزت نفسي فيهم ظلوا أحرارًا على الدوام، البيت الذي سكنته إلى الأبد ظل في رحلته الأزلية يحط ويرحل، الوقت الذي تشبثت في عقاربه ظل يدور وينتهي ويتبدل به غيره.
وأنا مازلت أخسر شهرتي.

دعونا نفلت من قيودنا قبل أن تجرنا إليها أكثر، قبل أن نسقط فيها إلى الأبد، لأن تلك الخطى التي خلفناها وراءنا لن تكون بالضرورة آثارًا جيدة للاقتفاء، ولنضِع قليلاً، ولنتأخر، ولنسِر يومًا في طريق لا نعرفه، علّنا نجد ما نحب ونجد أنفسنا هناك، فيه.
ولنشقى، ولنتعب، ولنتخذ سبيلاً قصيرًا للضياع، نعثر فيه على ما لم نهتد إليه من قبل، في طرقنا اليسيرة السالفة، لأن السير في المألوف ليس آمنًا تمامًا، لأنك ستخشى المشاهد التي تدعوك باستمرار للجري خلفها، ستخشى أنك حين توغل فيها لن تعرف أن تعود.
بعدها، سنظل مفتونين بالفكرة، سنحتاج فقط للغتنا الخاصة لنفهم: أنه كلما أضعنا بوصلتنا كلما كنا أقرب للخروج، كلما كنا أدنى من المكان المطلوب، كلما تدانى صوت الساحل من موج القلب، كلما اقتربت رائحة الصدف والطين وكلما كنا آمنين.


السبت، 13 سبتمبر 2014

بابٌ في فضل الأم على سائر النساء

نستعين على الفراق بكتابة الرسائل، قد نعلم أنها لن تصل ونرغب في أن نطلقها من قلوبنا إلى صدرٍ بلا قيد.
أريد أن أكتب لأمي وأخبرها كم هو البعد موجع، أريد أن أخبرها عما أشعر به حقًا وما خبأتُه قبيل وداعها على سبيل القوة.
أفيق من نومي لأهرع للكتابة، أكتب ولا أنجح، أنام فأرى أحلامًا تعبّر عن كلمات، أعود لأرتب شيئًا يُقال، ولا شيء يقال في الحقيقة، كل الكلام غير مقبول، الصدق فيه قليل، أغلبه غير متاح ولا يصلح للإرسال.
كان على القلب أن يعرف أن الأمر لن يكون سهلاً ليدق عدد نبضاته المعتادة، وكان على العين أن تخبئ دمعًا كثيرًا عسير الهطول.
حين نبتعد عن أمهاتنا تبتعد كل هذه الدنيا عنا، حين نغيب ويغبن عنا تغيب عنا الحياة، تذهب الروح إلى غير مكان بحثًا عن مواطن الأمهات، مواطنهن الأصلية الكامنة في عمق الروح والألباب.
حين أمرض وحين أتعب وحين أحزن وحين لا أعرف للنوم طعمًا ولا أجدك بقربي يزيد همي همًا، يتأخر الطب ويتدانى السهر ويتلكأ شفاء هذا الوجع.
عما قريب سأنسى كل شيء، من حولي صرت أبحث عن مسافة أمان في وجوه البشر، الأمان الذي قطعته بكل تلك المسافات الفاصلة بيني وبينكِ، أبحث فلا أجد أمانًا، لا أجد إلا التنكر والإقصاء، وتتسع المسافات بيني وبين كل الأشياء.
أعاني الإقصاء بإلقائي بعيدًا عن منابع الحنان، أقاسي البعد ولا أعرف سبيلاً لشيء يشبه أمي في هذا المكان.
في محادثاتنا .. الطويلة والقصيرة .. في صوتك تحديدًا أعرف كل المعاني المخبأة، وفي كلماتك الآتية من بعيد أرى الصور المرسومة في ذاكرتينا ولا مكان يتسع لعرضها، وفي تطميناتنا الكثيرة أرى هوة بلا نهاية: "نحن بخير تمامًا"، ولا يعرف أيّنا صدق الآخر، كما أن في أسئلتك معانٍ لأجوبة محضّرة، أخاف معك فيها وأضع لكثرتها الأعذار، ما من سؤال لا يجاب عليه، ما من سؤال إلا ويعرف طريقه إلى القلب والعين.
أعرف أنك تخلقين قصصك الخاصة لتحمين قلبك، وأعرف أنك تقولين كلامًا لا تنفذينه، وأشعر بوطأة جراحك ولا أداريها فاغفري لي.
سلامٌ على الأمهات، على كل مبدأ لهن وكل مُنتهى، سلامٌ على قلوبهن، سلامٌ على الأفئدة، سلامٌ على الجراح، على الكفاح، على النسي المنسي الذي كُنّاه لولاهنّ.

"كل هالدنيا غياب.. وحدها الجنة لقى".






الجمعة، 21 مارس 2014

الوعاظ الجدد

عندي قناعة بأن كل إنسان قد أخذ قدرًا كافيًا من التربية في بيته قبل أن يأتي إلينا. أنا لن أكون مصلحًا اجتماعيًا ولن أصير مربيًا ثانيًا ولن أتخذ دورًا ليس لي. الناس يأتون من بيوتهم إلى أعمالهم أو إلى الشارع ليمارسوا حياتهم وليسوا بحاجة إلى مربين يلاحقونهم في كل مكان. من لم يأخذ قدره من التربية فتلك مشكلته لوحده وليست مشكلة أحد ولا حق لأحد أن يقوم بإعادة تربيته من جديد أو أن يفرض نفسه على أناس لا يعرفهم ولا يعرفونه.
الوعاظ الذين انتشروا في شبكات التواصل بشكل مريع صاروا مصدر قلق وإزعاج للكثيرين الذين بدأوا بإغلاق حساباتهم وجعلها خصوصية لتفادي التطفل والكلام غير المرغوب فيه، خاصة من أولئك الذين يؤاخذون الناس بذنوبهم وينسون أنفسهم، ليتهم رفعوا الظلم وتكلموا بالحق بدلًا من إدخال أنوفهم في علاقة العباد بربهم أو الوقوف ضد حريات الآخرين دفاعًا عن عاداتهم البالية وتقاليدهم المعقدة. نصبوا أنفسهم أوصياء على غيرهم وربما هم أنفسهم أحوج لتلك الوصاية.
أمرٌ آخر؛
ازدراء الآخرين والتقليل من شأنهم لأنهم بنظرك أقل حظًا في الدين يزيد من جهالتك، انتقاص الغير لذنب ارتكبوه يحمّلك ذنبًا أكبر. لعل ذلك الذي ازدريته أكبر حظًا وأرفع درجة منك وأنت لا تعلم.
الدين النصيحة، والنصيحة إن لم تكن بطريقة حسنة انقلبت وآتت عكس ما يُتوقع منها.

الأربعاء، 22 مايو 2013

حالة



ألقِ عليَّ محبةً منك .. اصنعني على عينك.
هذا ما أريده في الفترة الحالية والفترات القادمة، محبةً منك.
لم يكن موسى عليه السلام على قدر من الجمال، ولكن المحبة التي أُلقيت عليه كانت كفيلة بإبقائه حيًا، والمرأة التي صاحبت الطاغية أُسِر قلبها حين رأته، فأرادته "قرة عين لي ولك"،  "لا تقتلوه، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا" .
فؤاد أمه الذي أصبح فارغًا من بعده .. أخته التي تتبعت أخباره ...
سيأتي الفقدان كحالة طبيعية، كلنا نَفقِد ونُفقد، نهتم بكل ما حولنا، نريد كل شيء، نسعى ونتمنى، نتمنى كثيرًا، ثم نرحل تاركين كل شيء.
الحب الذي نصنعه يغدو ويروح، المحيطون بنا يتفرقون، اللهفة تنطفئ، المحبون يتبدلون والرغبة تتغير، لا شيء ثابت ولا دائم.
يأتي النسيان كحالة لا نراها إلا جحودًا ولكنها هي الأخرى طبيعية، الوفاء لا موطن له، ولا معنى ثابت، كلنا يفسر الوفاء على طريقته، أنا أحتفظ بك في قلبي ولكن ابتعادك قسرًا سيجر بي إلى استبدالك، لا تبتعد كثيرًا .. لا تمُت!
المكانة التي خُصصت لك ليست إلا لك، قد يحتل غيرك مكانك ولكنه لن يحل مكانتك عندي، هذه أيضًا حالة طبيعية، ولكنها وفية جدًا.
بقي ألا نعول كثيرًا على الاعتياد، ليبقى كل شيء عابرًا، مارًا من هنا، ليس لنا، فالصعوبات ستأتي إن كنا ظانين غير ذلك.
المحبة التي ستلقى عليّ كفيلة بإبقائي أمُرّ في حياتك.

السبت، 10 نوفمبر 2012

طريق لا يؤدي إلى شيء


كان طريق وانتهى، رُسم في نهايته حاجز، أُلقيت بعده الحُفَر، تعثر بحافّة وانتهى ..
طبيعي أن يعود السالكون أدراجهم، أو أن يتقصوا أثر طريق أخرى قد تكون في الجوار..
يعودون ليبدؤوا من نقطة أخرى، أو يكملوا من تلك النهاية بخطٍ قريب آخر ..
كل هذا لا يهم، ما يهم هو ماذا بعد؟ من سيربح أكثر؟ من سيخسر أكثر؟
من وجد الطريق؟
من وجد الطريق الأخرى مباشرة هو الرابح .. من فُتحت له الأبواب الأخرى هو الرابح .. الآخر بالتأكيد بالتأكيد هو الخاسر ..
مادام هناك طرفان .. خصمان .. نِدّان .. متواجهان .. فالأكيد أن أحدهما على حق .. لا وجود لِـحَقّين معًا !!
هكذا كانوا يفكرون على الدوام .. صح خطأ، ربح خسارة، كسب فقد، فوز هزيمة، نجاح فشل .. إلخ

الكل ينتظر وكثيرون يتكلمون .. كثيرون جدًا يتكلمون، ويتكلمون كثيرًا جدًا ...  : الله عاقبها!

الاثنين، 29 أكتوبر 2012

ظن



ربما كان من الأفضل أن أظل صامتة، كثيرًا ما أخرّب بعدما أتحدث، أخبروني بأنني جارحة ولكنني لا أظن أن الأمر بهذا السوء، أنا فقط أخبر بالصدق وبصدق، كثيرًا ما أتعجب من التفسيرات المؤلمة التي يفسرنها والتي لا حاجة لقلوبهن بها.
-كاتبة بالستاتوس ... شرايكم؟ تهقون تقصدني؟
-مادري مااحس انها تقصدج، العبارة حيل عامة
-لا بس أحس اني كنت براسها لما اكتبتها
- ...
-يمكن كنتي براسها .. صح جايز!
ألفت للأخرى وأتساءل بصوت خفيض: -شنو برجها الحمل ولا الأسد؟
-مادري اثنينهم يتشابهون!



 لا أتصور الحياة بكل هذا الضيق!

الأربعاء، 21 مارس 2012


مصدومة من الطريقة التي دخلَت بها حياتي ومن الطريقة التي خرجَت منها، كان ذلك بسرعة: حدث أنهم أفهموني أنه للحصول عليها عليّ أن أدعو .. هكذا وحسب وألاّ أفعل شيئًا، كنت مأخوذة بها بعض الشيء ولكن ذلك لم يكن كافيًا لإقناعي بأنه من حقي الحصول عليها وبهذه الطريقة! لم أكن مقتنعة بتوجيههم كثيرًا، بدأتُ أدعو وفي داخلي ريب، ليس لأن ذلك مستحيلاً بل لأنني سأحصل على شيء من دون القيام بأي شيء! دعوت ودعوت .. وفي قلبي جذع نخلة يهتز!
شهر وأكثر من المواضبة والاستمرار، شهر ونيّف من الثقة والشك، من اليقين والتزعزع، من الثبات والتداعي، من التركيز والتشتت، من الجري والحبو، شهر وأكثر وقلبي يدق متسارعًا كلما رأيت علامة تشير لقرب وقوعها، يعقب ذلك فتور وارتخاء في روحي حين ظهور علامة أخرى تدحض الأولى .. شهر وأكثر وأنا أعض من بين أسناني مندفعة إلى الأمام وقابضة كلتا يدي، ثم أرجع بقفزة إلى الوراء صافقة يدي ببعضهما أن: لااااا ! شهر وأكثر وبعض الكلمات أسمعها تتفتح معها الورود، وأخرى أتغاضى عن الشوك الذي آلت إليه، شهر وأكثر وأنا أسير بانتظام ومثالية وأتبع المطلوب .. ولكن شيئًا لم يحدث.
إلى أن أتى اليوم الذي قررت فيه أن أيأس -وفي الحقيقة أنا لم أملّ بعد ولم أشعر بأي يأس- ولكني قررت أن أفعل ذلك وأن أدّعيه لعل شيئًا جديدًا يحدث، يأست وتوجهت أدعو الله أن يبصّرني .. فأنا الآن لا أريدها ولكنني أريد أن أبصر موضع الخطأ الذي منع كل تلك الدعوات.
بعدها بيوم صحوت وبصرتُ بما لم أبصر به .. فنبذتها وحمدت الله :)

الثلاثاء، 3 يناير 2012

لا اكتمال .. اختلاف


نسبيًا لم أعد أشعر بالانتماء لشيء، أو لمعظم الأشياء، هذا ظلم فـَلْأقل إن الأشياء هي التي لا تنتمي إليّ وليس العكس، مثلاً رقمي الذي غيرتُه لم يعد يعني لي شيئًا، بتُّ أتساءل رقم من هذا الذي أمليه على الآخرين؟ وحين سألتني موظفة الاستقبال عن رقمي توقفتُ برهة وطلبت منها أن تنتظر، وبسرعة بعثت لأختي رسالة أسألها: كم رقمي؟
يقول أدونيس -وأنا مشغوفة به مؤخرًا- يقول: "لن تعرف نفسك إلا إذا خرجتَ منها، هل تقدر أن تخرج؟"
تساءلت إن كنت أستطيع الخروج، وكثيرًا ما أحاول تطبيق كلام هؤلاء الناس الذين تمردوا على المألوف حتى صاروا هُم، وحين أفشل أو لا أعرف كيف أفعل أقول: زماننا ليس للتغيير، اختلافهم ما كان ليحدث إلا في وقتهم، ثم إنني حتى وإن اختلفتُ فسيكون ذلك في نفسي ولن يدري به أحد!
ويقول أيضا فيما معناه أننا لا يجب أن نكف عن طرق الأبواب، فمتى ما توقفنا لن تنتهي المعرفة وحسب بل سننتهي نحن، وبما أنني لا أريد أن أنتهي وأنا ما أزال حيّة فسأستمر في الطرْق.
طرقتُ وطرقت حتى أتاني الجواب: كفى!
الآن عرفت ما يصيبني فجأة، لأنني وبينما أنا هنا في سكوني أنت تؤلم روحي التي سلبتَها معك، لابد أنك تقسو عليها ولم تعد تعاملها بلطف، لذا أنا أتألم هنا، لابد وأنك تهملها ولا تلق لها بالاً، لذا أنا أتألم هنا.
من كثرة ما نمنا وصحونا على غياب قررت ألاّ أنام إلى أن تقرر ألاّ ... تغيب؟ خطأ .. تصحو.
الآن أقرر أن أنزوي، والآن أقرر أن أختلف، والآن أقرر ألا أُحاط بشيء.
لا أدري أأنا جادة أم فقط لأنني مأخوذة بكلام الشعراء الذي يحْكيني.
أنا أشتاق إلى رقمي ولكنني أعاقب الشركة التي استغلتني فلا يمكن أن أعود لأستعمله، وأنا أشتاق إليك ولكن هذا محرّم أن نتصل من جديد، سأعاقب نفسي إن فعلت وأعاقب رغبتينا في الانعتاق التي أمضيناها على ورقة، وأعاقب أُمّينا اللتين بذلتا وسعهما لكيلا نفترق وفشِلَتا.


لمَ ذلك الياسمين يتعثر في سيره نحو العطر؟ *أدونيس